الرئيسية
المسائل المستحدثة فی الطب PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
السبت, 02 أكتوبر 2010 11:06

مکارم الشیرازی، ناصر
ـ القسم الأوّل ـ
ذکرنا ـ فیما سبق ـ أنّ المراد من المسائل المستحدثة هی تلک الموضوعات التی لم یکن لها وجود وتحقّق فی السابق، بل نشأت وحدثت بسبب التطوّر المستمر فی المجتمعات البشریة، والتقدّم العلمی فی مختلف مجالات الحیاة. وبما أنّ الدین الإسلامی دین العالمیة والشمول والخلود کان من الضروری بحث هذه المسائل ومعالجتها، وذلک من خلال تتبّعها فی مصادر الفقه الإسلامی لاستنباطها ومعرفة أحکامها.
وسبق لنا أن ذکرنا أیضاً مقدّمات کلّیة لهذه المسائل، کما وأشرنا إلی قسم منها، وهو المسائل المالیة، ونشرع الآن فی بیان قسم آخر وهو المسائل الطبیة :
المسـألة الاُولـی : التشـریح
تعریف التشریح : هو العلم بأعضاء البدن وأجزائها وکیفیّة بنائها وترکّبها من العظام والعضلات والأعصاب والعروق وغیرها . وأمّا وظائفها وما لکلّ عضو من عمل حیوی فهی اُمور اُخری تبحث فی علم وظائف الأعضاء أو ما یسمّی بـ « علم الفسلجة » .
(صفحه 142)
نبذة وجیزة عن تـاریخ علـم التشریح :
لقد کان هذا العلم متعارفاً بین العلماء قدیماً ، لکنّه لم یکن بهذا التطوّر ، فعن بعض المتخصّصین فی هذ المجال أنّ هذا العلم ظهر ولأوّل مرّة بین الیهود قبل عشرات القرون ثمّ نسب إلی بقراط الحکیم ، إلاّ أنّه لم یثبت أنّه بنی علمه فی ذلک علی أساس تشریح بدن الإنسان .
واستمرّ الأمر علی هذا الحال إلی الفترة ما بین القرنین السادس عشر والسابع عشر ، ثمّ بعد ذلک اتّسع هذا العلم حتی وصل إلی ما هو علیه فی عصرنا الحاضر .

وقد واصل علماء هذا الفنّ دراساتهم المستمرة علی بدن الإنسان وسائر الحیوانات ، وتوصّلوا فی تحقیقاتهم إلی نتائج مهمّة ونافعة ، خلصوا من خلالها إلی الاعتقاد بأنّ علم الطبّ یتوقّف علی هذا العلم ویکتمل به ، ولذلک خصّصوا للتشریح دروساً ـ عملیة ونظریة ـ تعدّ من جملة المواد الأساسیة المطلوبة لاستکمال البحث والدراسة فی هذا العلم .

وهنا ینقدح سوءال : وهو أنّه هل یجوز تشریح البدن وتقطیع أعضائه وأجزائه ؟ وما حکمه فی نظر الشریعة الإسلامیة ؟ وأنّه لو کان جائزاً فما هی حدوده ، وما هی شرائطه واستثناءاته ؟

والجواب عن هذه الأسئلة یستدعی البحث فی عدّة مقامات :

المقــام الأوّل : حکم التشریح فی الشریعة الإسلامیة
أوّلاً : الحکـم الأوّلـی للتشریح :
لا شکّ فی حرمة التشریح إذا کان لبدن المسلم ، ویدلّ علی ذلک اُمور :

الأوّل : ما ورد فی لسان الروایات المختلفة من حرمة المُثلة ـ وهی علی ما فی الجواهر وغیره : « قطع الاُنوف والآذان ونحو ذلک من الحیّ والمیّت ، والمُثلة فی الأصل ـ کما عن المفردات ـ : الانتصاب ( أی القیام ) ، قال تعالی : « فَتَمَثَّلَ

(صفحه 143)


لَهَا بَشَراً سَوِیّاً »( (1) ) ، أی : صار جبرئیل علیه‏السلام منتصباً بین یدی مریم علیهاالسلام ، ومنه المثال : مقابلة شیء بشیء هو نظیره ، أو وضع شیء ما لیحتذی به فیما یفعل ، والمثلة : نقمة تنزل بالإنسان فیجعل مثالاً یرتدع به غیره ، وذلک کالنکال »( (2) ) ـ وهی کثیرة :

1 ـ ما ورد فی آداب جهاد العدو من النهی عن المُثلة بالکفّار ، مثل ما عن مالک بن أعین ، قال : حرّض أمیر الموءمنین علیه‏السلام الناس بصفّین فقال ـ فی حدیث طویل ـ : « ولا تمثّلوا بقتیل »( (3) ) .

والحدیث مع إرساله معمول به بین الأصحاب ، وتقریب الاستدلال به أنّ الخارج علی الإمام المعصوم کافر .

2 ـ وما رواه مسعدة بن صدقة عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام ، قال : « إنّ النبیّ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم کان إذا بعث ـ إلی أن قال ـ : لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا . . . »( (4) ) .

ومورده قتال أهل الشرک .

وفی معناه ما عن معاویة بن عمّار ، قال : أظنّه عن أبی حمزة الثمالی عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام ، قال : « کان رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم إذا أراد أن یبعث سریة دعاهم ـ إلی أن قال : ـ لا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا »( (5) ) .

3 ـ وما ورد فی وصیّة مولانا أمیرالموءمنین علیه‏السلام فی حقّ قاتله ـ عبدالرحمان ابن ملجم ـ أنّه أوصی أن لا یمثّل بقاتله ، وقال : « فإنّی سمعت رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم یقول : إیّاکم والمثلة ولو بالکلب العقور »( (6) ) .

وبما أنّ التشریح من أقسام المثلة ، بل من أشدّها فی کثیر من الأحیان للحاجة فیه غالباً إلی تقطیع الأعضاء ، فهو مصداق له ومحرّم .

ولا یضرّ الإشکال فی أسانید بعض هذه الأحادیث بعد تضافرها وتعاضدها وعمل الأصحاب بها ، بل یظهر من الجواهر کون الحرمة إجماعیة( (7) ) .

ویمکن الجواب عن هذا الاستدلال بما تقدّم بیانه عن أهل اللغة : من أنّ

(صفحه 144)


المثلة لیست مجرّد قطع الأعضاء ، بل هی القطع تعذیباً فی الأحیاء وانتقاماً فی الأموات ، فالمقصود منها هو التعذیب أو الانتقام ، ولیس شیء من هذین الأمرین متحقّقاً فی التشریح ؛ لأنّهما من الاُمور القصدیة بخلاف التشریح فإنّه یستهدف أغراضاً عقلائیة نافعة ، فأین هذا من ذاک ؟ ! ثمّ إنّه من الواضح أنّ هذا الدلیل لو تمّ لشمل بعمومه المسلم والکافر والذمّی والمحارب .

الثـــانی : إنّ التشریح ـ بقطع أبدان الأموات وتمزیقها وتفریق جمیع أجزائها ـ هتک لحرمتها ، وهو محرّم .

والهتک وإن کان من العناوین القصدیة ، إلاّ أنّ القصد إلیه فی المقام قهری ، نظیر ما ذکر فی باب الإعانة علی الإثم الذی لا تنفکّ بعض أقسامه عن القصد القهری ، کمن صبّ الخمر فی إناء من یعلم أنّه یشربه ، وما نحن فیه من هذا القبیل ، فتأمّل .

وهذا الدلیل یختصّ بالمسلم والذمّی ولا یشمل المحارب .

الثـــالث : ما دلّ علی تعلّق الدیة بقطع رأس المیّت أو شیء من جوارحه ، بناءً علی کونه دلیلاً علی الحرمة کما سیأتی .

وهو مجموعة من الروایات( (8) ) وردت بهذا الخصوص تدلّ بأجمعها علی حرمة قطع رأس المیّت ، وأنّ فیه الدیة مئة دینار کدیة الجنین ، وفی بعضها التصریح بأنّه إن قطعت یمینه أو شیء من أعضائه ففیه الأرش( (9) ) ، وإن کان فیها اختلاف من حیث کون دیته للإمام علیه‏السلام أو صرفها فی وجوه البرّ ، وتفصیل ذلک موکول إلی محلّه .

والحاصل : أنّ وجوب الدیة دلیل علی حرمة نفس العمل ، وأنّه من قبیل الجنایة المستوجبة لذلک .

لا یقــال : إنّ الدیة لیست دلیلاً علی الحرمة مطلقاً ، لانفکاکها عن الحرمة فی دیة الخطأ .

(صفحه 145)


لأنّــا نقــول : إنّ الدیة فرع الإتلاف أو ارتکاب جنایة لو علم بها لکانت محرّمة ، ودیة الخطأ تأکید علی احترام النفوس وما یتعلّق بها ، وسبب للتحفّظ الشدید علیها ، فهی لیست دلیلاً علی عدم الحرمة بل دلیل علی تأکیدها عند العلم بالموضوع والحکم ، فیکون مقتضی هذا الدلیل حرمة قطع الأعضاء بأی قصد کان فی من تتعلّق به الدیة ، فیعمّ المسلم والذمّی دون الکافر الحربی ؛ لعدم الدیة فیه .

الرابـــع : ما دلّ علی وجوب احترام المیّت ، وأنّ حرمته میّتاً کحرمته وهی حیّ . وهو عدّة روایات :

1 ـ ما رواه عبداللّه‏ بن سنان عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام أنّه قال : « . . .لأنّ حرمته میّتاً کحرمته وهو حی »( (10) ) . ومثله ما رواه محمّد بن سنان عمّن أخبره عنه علیه‏السلام ( (11) ) ، وما رواه عبداللّه‏ بن مسکان( (12) ) .

2 ـ وما ورد فی صحیحة جمیل عن غیر واحد من أصحابنا عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام قال : « قطع رأس المیّت أشدّ من قطع رأس الحیّ »( (13) ) .

ولعلّ کونه أشدّ من باب شدّة القبح وتنفّر الطباع منه ، إلاّ أنّه سیأتی ما یدلّ علی أنّ الدیة فیه أخفّ بمراتب .

3 ـ وما رواه محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه‏السلام ـ فی حدیث ـ قال : « إنّ اللّه‏ حرّم من الموءمنین أمواتاً ما حرّم منهم أحیاءً »( (14) ) .

4 ـ وعن مسمع کردین قال : سألت أبا عبداللّه‏ علیه‏السلام عن رجل کسر عظم میّت ، قال : « حرمته میّتاً أعظم من حرمته وهو حیّ »( (15) ) .

ومثله ما رواه صفوان عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام ( (16) ) .

5 ـ وما رواه العلاء بن سیابة عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام عن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم أنّه قال : « حرمة المسلم میّتاً کحرمته وهو حیّ سواء »( (17) ) .

ومن الواضح أنّ التسویة فی أصل الحرمة لا فی مقدارها ، کما صرّح به

(صفحه 146)


شیخ الطائفة رحمه‏الله فیما حکاه عنه فی الوسائل( (18) ) .

والمتحصّل من هذه الروایات : أنّ أجساد الأموات لیست کالأحجار المتفرّقة فی البراری والصحاری أو کأشجار الغابات والآجام ، بل لها حرمة مثل حرمتها حال حیاتها ، فکما لا یجوز التعدّی علیها بقطعها أو جرحها أو کسرها حال الحیاة فکذا لا یجوز بعد الممات .

ومقتضی هذا الدلیل حرمة تشریح جسد المسلم والذمّی دون الحربی .

فتلخّص من جمیع ما ذکرنا أنّ : تقطیع جسد المسلم والذمّی بعد موتهما حرام . کما أنّ ظاهر الإطلاقات عدم الفرق بین الأغراض المقصودة من هذا العمل .

ثانیـاً : الحکم الثـانوی للتشریح :
وخلاصة القول فیه : أنّه لا ینبغی الریب فی أنّ لهذا العلم ـ سیّما مع المشاهدة ـ أثراً بالغاً فی معرفة أعضاء جسم الإنسان ، بحیث صار هذا العلم فی العصر الحاضر من مقدّمات علم الطب الضروریة التی یتوقّف علی معرفتها إنقاذ المرضی من الهلاک وشبهه ، ومن الواضح أنّ مقدّمة الواجب واجبة .

ومن هنا أفتی غیر واحد من أکابر العصر بجوازه ، وإن خالف فیه بعضهم ، والظاهر أنّ منشأ مخالفتهم عدم الاعتراف بالضرورة المذکورة ، وإلاّ لأفتوا به قطعاً کمافی غیره من موارد الضرورة ، فیجوز للمخالف أیضاً الفتوی بجوازه مشروطاً بها ، وإحراز الموضوع علی عاتق المقلِّد .

وحیث إنّ دلیل الجواز هو الضرورة ، والضرورات تتقدّر بقدرها ، فلا بدّ عند الفتوی بجوازه من تحقّق شروط ثلاثة :

الأوّل : أن یکون غرضه من التشریح تعلّم الطب الذی لا یکتمل إلاّ به ، فیکون التشریح حینئذٍ مقدّمة لإنقاذ النفوس المحترمة .

(صفحه 147)


الثــانی : أن لا یجد سبیلاً إلی أجساد الکفّار الحربیّین ، بل إذا دار الأمر بین المسلم والذمّی کان الذمّی مقدّماً ؛ لأنّه أقلّ محذوراً کما لا یخفی .

الثــالث : أن لا یتعدّی المقدار اللازم منه .

إذن فمع تحقّق هذه الشروط الثلاثة یکون التشریح جائزاً .

والإنصاف أنّ إحراز موضوع الضرورة للعارف بشیء من علم الطب فی عصرنا هذا سهل جدّاً .

ثالثــاً : الفرق فی الحکم بین الحربی وغیره وبین المسلم والذمّی :
ممّا ذکرنا ظهر أنّه لا شکّ فی الفرق بین الحربی وغیره ، وکذلک بین المسلم والذمّی إذا دار الأمر بینهما ؛ فإنّ الذمّی وإن کان محترماً أیضاً ولکن فرق بینه وبین المسلم حیّاً ومیّتاً فلا بدّ من رعایة سلسلة المراتب فی المقام ، وهو ظاهر .

المقــام الثــانی : اختلاف حکم التشریح باختلاف أغراضه
ویظهر الحال فیه ممّا تقدّم فی دلیل المسألة ، فإن کان الغرض منه معرفة الطب وتعلّمه مع الشروط المذکورة کان جائزاً . وکذا یجوز إن کان لمعرفة علّة الجنایة وکشفها إذا کان کشفها واجباً شرعیاً یترتّب علیه إحقاق الحقوق أو دفع الخلاف والمفاسد الناشئة منه ، وغیر ذلک .

وأمّا إذا کان لمجرّد مشاهدة آثار قدرته تعالی وآیاته فی الخلق فلا یجوز ؛ لعدم انحصار طریق معرفته تعالی بذلک لیکون واجباً .

وکذا القطع للترقیع ؛ فإنّه إنّما یجوز إذا کان هناک واجب أهمّ . وسیأتی الکلام فیه وفی لزوم استجازة الأولیاء فی ذلک ، أو وصیة المیّت نفسه فی حال حیاته .

المقـام الثـــالث : فی أحکــام التشریح
إنّ التشریح سواء قلنا بجوازه أو حرمته یقع الکلام فیه فی عدّة جهات :

(صفحه 148)


فتــارة یبحث فیه من حیث حلّیة بیع الأجساد وحرمته لغرض التشریح ، واُخــری من حیث تعلّق الدیة بالتشریح وعدم تعلّقها ، وثالثــة من حیث جواز النظر إلی عورة المیّت عند التشریح وعدم جوازه ، ورابعـــة من حیث تکفین المیّت المشرّح ودفنه ، وخامســـة من حیث جواز الوصیة بتشریح بدنه بعد موته وعدم جوازها ، وهل هی نافذة أو لا ؟

أمّــا الجهة الاُولــی : فإنّ بیع أبدان المسلمین لغرض التشریح عند الضرورة إلیه مشکل جدّاً ؛ لمنافاته مع احترامها ، ولذا لا بدّ من التماس طرق اُخری للوصول إلیه .

وأمّا أبدان الکفّار فبناءً علی نجاستها بالذات ، أو علی الأقلّ بالموت ، فبیعها أیضاً مشکل ؛ نظراً إلی بطلان بیع المیتة .

اللّهمّ إلاّ أن یقال : إنّ ذلک مختصّ بما إذا لم تکن هناک منفعة محلّلة ، والمفروض وجودها فی المقام ، فتکون محترمة ، فیجوز بیعها ، وهذا کحرمة بیع الدم فی السابق وجوازه فی عصرنا الحاضر ؛ وذلک لما فیه من المنافع المقصودة کإنقاذ المرضی والمجروحین ، فتأمّل .

وأمّا الجهة الثــانیة : فإنّ ظاهر إطلاقات الدیة فیما مرّ ذکره من الأخبار هو تعلّقها بالتشریح .

ولکن لقائل أن یقول : إنّ الدیة فرع الجنایة الفعلیة أو الحکمیة ، وإذا وجب التشریح لکونه مقدّمة لنجاة نفوس المسلمین فلا تتعلّق به الدیة . وإن شئت قلت : ظاهر الإطلاقات الواردة فی أبواب الدیات منصرفة عن محل الکلام ، أعنی ما وجب بحکم الشارع المقدّس ، کما أنّ القصاص بالحقّ لا یوجب الدیة ، وأی فرق بین ما وجب أو جاز بالعنوان الأوّلی أو الثانوی ؟ ! ولذا لم یرد وجوب الدیة فی مسألة شق بطن المرأة المیّتة لإخراج الولد الحیّ ، إذ لو وجب لصرّح به فی النصّ ، ولم نر من أفتی بوجوبها فیه( (19) ) .

إن قـــلت : هل هذا إلاّ کالأکل فی المخمصة ، وکالأکل من مال الناس عند

(صفحه 149)


الضرورة ، حیث حکموا بالجواز مع الضمان ؟

قــلت : الفرق بین المسألتین ظاهر ، فإنّ الإتلاف یختلف عن الدیة ؛ لأنّ مورد الإتلاف إنّما هو فی الأموال ، ولیست أعضاء الحرّ من الأموال ؛ لأنّ المدار فیها علی الجنایة ، بل وکذا مع عدمها ، کمن لطم وجه غیره فاحمرّ ، فإنّ فیه الدیة .

توضیح ذلک : إنّ جمیع الروایات ـ الثمانی أو الستّ ـ المذکورة فی أبواب الاحتضار تشترک فی الحکم بوجوب شقّ بطن المرأة إذا ماتت وفی بطنها الولد یتحرّک ، وقد ورد الأمر فی ثلاث منها بلزوم خیاطة بطنها بعد ذلک ، ولیس فی شیء من هذه الروایات عین أو أثر بالنسبة إلی الحکم بوجوب الدیة ولو کانت واجبة شرعاً لما تُرک ذکرها فی هذه الروایات علی کثرتها ، وهی وإن کان بعضها معتبراً وبعضها غیر معتبر ، لکن فی المجموع کفایة .

ولا فرق بین مورد تلک الروایات وبین ما نحن فیه من مسألة التشریح بعد کون المفروض حرمة کلّ منهما بالعنوان الأوّلی ووجوبهما بحکم الضرورة .

نعم ، قد ورد فی الروایة الثالثة المرویّة عن وهب بن وهب عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام بعد ذکر هذا الحکم ما نصّه قال : فی المرأة یموت فی بطنها الولد فیتخوّف علیها ؟ قال : « لا بأس بأن یدخل الرجل یده فیقطعه ویخرجه »( (20) ) . ویمکن حملها علی رضا الوالدین بذلک ، والدیة لهما فی الجنین دون دیة المیّت ، فتدبّر جیّداً .

وأمّـا الجهة الثـــالثة : فإنّه یجوز النظر إلی عورة المیّت عند التشریح إذا کان داخلاً تحت عنوان الضرورة ـ التی مضی الکلام فیها ـ ولکن لا بدّ فی¨ ذلک من الاکتفاء بالمقدار الواجب منه ، وقد ورد التصریح فی بعض روایات أبواب الاحتضار أنّه إذا مات الولد فی بطن اُمّه وکان یتخوّف علیها یجوز للرجل إدخال یده فی فرجها وتقطیع ولدها المیّت وإخراجه ، ومحل الکلام من هذا القبیل .

(صفحه 150)


وأمّـا الجهة الرابعــة : فإنّ الظاهر وجوب الکفن والدفن فی أوّل فرصة ممکنة ؛ لإطلاق الأدلّة ، نعم لا تجب الأکفان الثلاثة ؛ لعدم بقاء موضوعها ، بل یلفّ فی خرقة ، والأحوط أن تکون ثلاث خرق ثم یدفن ، ولا بدّ من الصلاة علیه قبل ذلک .

وأمّـا الجهة الخـامسة : فإنّه هل تجوز الوصیّة بتشریح بدنه بعد موته أو لا ؟ وهل تکون الوصیة بذلک نافذة أو لا ؟

یمکن أن یقال : إنّه لا أثر لمثل هذه الوصایا ، فإنّ الحکم ـ کما عرفت ـ یدور مدار الضرورة .

المســألة الثــانیة : الترقیع والزرع
یمکن القول إجمالاً إنّه إذا کان فی ترقیع الأعضاء وزرعها تکامل لعلم الطبّ فی عصرنا الحاضر وتطوّر فی جمیع المجالات ـ لا سیّما بعد أن اُجریت عملیات جراحیة معقّدة بالنسبة إلی زرع وترقیع أعضاء الإنسان الأصلیة منها وغیرها ، بل من المتوقّع فی المستقبل القریب إمکان وصل رأس إنسان بجسد إنسان آخر ـ فلا ریب فی جوازه هنا کما تقدّم .

ویستفاد من بعض الروایات أن زرع الأسنان کان قدیماً نظیر ما رواه زرارة عن أبی عبداللّه‏ علیه‏السلام ، قال : سأله أبی وأنا حاضر عن الرجل یسقط سنّه فیأخذ سنّ إنسان میّت فیجعله مکانه ، قال : « لا بأس »( (21) ) . ولیس هذا بالأمر الهیّن ؛ لاحتیاجه إلی جملة من المقدّمات الطبیة ، وإلاّ فمجرّد جعل سنّ مکان آخر لا یوجب التئامه واتّصاله بالفکّ ، وقد واصل الأطباء فی عصرنا الحاضر ذلک عن طریق زرع الأسنان بطرق علاجیة حدیثة ، فصار ینتفع بها علی أحسن وجه .

وعلی کلّ حال فإنّ البحث فی الترقیع والزرع یتضمّن عدّة مقامات :

المقــام الأوّل : أقسام الترقیع والزرع
وهی کثیرة :

منهــا : أخذ بعض أعضاء الإنسان لترقیعها فی نفس بدنه ، کما هو

(صفحه 151)


المتعارف فی الأخذ من عظام الخاصرة لترمیم بعض العظام المکسورة ، أو أخذ شیء من جلد الأرجل ووصله بالجلد المحترق من الوجه ، أو الأخذ من عروق الرِّجل لترمیم عروق القلب .

ومنهــا : الأخذ من بدن إنسان وزرعه فی بدن غیره ، والمأخوذ منه قد یکون مسلماً ، وقد یکون کافراً کتابیاً أو مشرکاً ، وکلّ هذا قد یکون من الحیّ وقد یکون من المیّت .

ومنهــا : أخذ بعض أعضاء الحیوان المحلّل أو المحرّم ووصله بالإنسان ، کأخذ أجزاء من عینه أو کبده وزرعه فیه .

ومنهــا : ترقیع بعض الأعضاء بوضع أجزاء اصطناعیة کما فی عملیات الجراحة البلاستیکة .

هذا من ناحیة ، ومن ناحیة اُخری تارة یکون فی موارد تتوقّف علیها الحیاة ، کما فی زرع القلب والکلیة ، واُخری یکون فی الأعضاء المهمّة ممّا لا تتوقّف علیها الحیاة ، کما فی زرع العین والأسنان ، وثالثة فیما یکون من قبیل التجمیل ، ورابعة فیما یکون من قبیل تزریق الدم .

المقــام الثـــانی : حکم الأقسام من حیث الجواز والحرمة
أوّلاً : حکمهـــا الأوّلی :
لا ینبغی الشکّ فی حرمة الأخذ من أموات المسلمین بالعنوان الأوّلی ، وأمّا الأخذ من الأحیاء أو من الإنسان نفسه أو من الحیوان وشبهه فهو ممّا لا دلیل علی حرمته بعنوانه الأوّلی إذا کان مع الرضا ممّن یعتبر رضاه .

ولا یعتبر رضا الکافر الحربی فی ذلک ، وأمّا إذا کان میّتاً فلا مانع من أخذ العضو منه ؛ لعدم صدق المثلة علیه ، لأنّها ـ کما عرفت ـ عبارة عن قطع الأعضاء تعذیباً للحیّ أو تعذیباً لأهل المیّت ، أو انتقاماً منه أو منهم ، ولیس شیء من ذلک فی مسألة زرع الأعضاء وترقیعها .

(صفحه 152)


نعم ، لا یجوز بالعنوان الأوّلی أخذ العضو من المیّت المسلم ؛ لما فیه من الهتک ، ولکونه من الجنایة التی تتعلّق بها الدیة .

فتحصّل : أنّ الأخذ من الحیّ یتوقّف علی رضاه إذا کان إنساناً محترماً دون غیره ، وأمّا الأخذ من المیّت فلا یجوز إذا کان من المسلم وشبهه دون غیرهما .

ثانیــاً : حکمهـــا الثانوی :
إذا توقّف إنقاذ حیاة مسلم علی أخذ العضو ووصله فی بدنه جاز ذلک قطعاً ؛ لما فیه من الأولویّة والضرورة . وإن شئت قلت : دار الأمر هنا بین الأهمّ والمهم ، ولا ریب فی أنّ الترجیح للأهم .

وأمّا إذا کان العضو ممّا لا تتوقّف علیه الحیاة ـ کما فی زرع العین المأخوذة من المیّت( (22) ) ـ فإنّه قد یقال بعدم جواز أخذه فی الموارد المحرّمة بالعنوان الأوّلی ، کالأخذ من میت المسلم ؛ فإنّ مجرّد المصلحة غیر کافیة فی تجویز المحرّمات ما لم تکن مصلحة ملزمة أهمّ من المفسدة الملزمة .

اللّهمّ إلاّ أن یقال : إنّ الإنسان وإن کان قادراً علی العیش مکفوف العین أو مشلولاً ، ولکنّ لا إشکال فی عدّ العرف وجود العینین کلیهما ورفع الشلل من الضروریات التی یهتمّ بها الشارع المقدّس ، وإنّ حفظ سلامة الإنسان الحیّ فی نظر الشارع أهمّ من حفظ سلامة بدن المیّت المسلم ، فیجوز حینئذٍ الأخذ من المیّت وترمیم أعضاء الحی .

ویمکن الاستشهاد له بما مرّ فی أخذ السنّ من المیّت المسلم وجعله مکان السنّ الساقط من الحیّ ؛ فإنّ السنّ ممّا لا تتوقّف علیه حیاة الإنسان .

نعم ، لا یجوز ذلک فی التجمیل وشبهه ما لم یبلغ القبح فیه حدّاً یوجب لصاحبه العسر والحرج الشدیدین ـ کما هو المشاهد فی بعض موارد حرق الوجه أو الأصابع أو غیر ذلک ـ ، فلو بلغ هذا الحدّ دخل فی القسم الثانی .

(صفحه 153)


المقــام الثــالث : فی بیان الأحکام الفرعیة المترتّبة علی أخذ الأعضاء
هناک جملة من الأحکام تترتّب علی أخذ الأعضاء سواء فی موارد جواز الأخذ أو حرمته ؛ أعنی أنّنا إذا قلنا بحرمة ذلک مطلقاً أو فی بعض موارده ، فمع الأخذ تترتّب من حیث الجواز والحرمة أحکام الفروع التالیة :

الأوّل : فی حکم الأعضاء المبانة من الحیّ أو المیّت التی تصیر میّتة بعد انفصالها :

فعلی ما هو المشهور من حرمة بیع المیتة یحرم بیعها وشراوءها مطلقاً ، وعلیه فلا یجوز بیع الکلی ولا سائر الأعضاء ولا الجلود وشبهها ؛ لاندراجها تحت عنوان بیع المیتة . نعم ، یمکن استثناء العظم والسنّ بناءً علی أنّهما لیسا ممّا فیه روح ، فلا تنجس بالموت ، ولا تشملها أدلّة حرمة بیع المیتة بناءً علی أنّ المراد منها المیتة النجسة .

أقـــول : لنا کلام فی عدم کونهما ممّا لیس فیه روح ؛ لأنّ الإنسان قد یتألّم بکسر بعض عظامه بما لا یتألّم بغیرها وهذا دلیل علی وجود الروح فیها . وکذا بالنسبة إلی السنّ الذی کثیراً ما یتأثّر بالأطعمة أو الأشربة الشدیدة الحرارة أو البرودة ، ویعرضه من الداء العیاء ما لا یعرض غیره ؟ ! فکیف یعدّ ممّا لا روح فیه ؟ ! وکیف یقاس بالشعر أو الوبر وشبههما ؟ !

ومن ناحیة اُخری یمکن أن یقال : إنّ أدلّة حرمة بیع المیتة ناظرة إلی ما لیس فیه منفعة محلّلة مقصودة ، نظیر بیع اللحوم فی السابق ، حیث لم تکن لها منافع محلّلة معتدّ بها فی ذلک الوقت .

أمّا فی عصرنا فتعدّ ممّا یترتّب علیها أهمّ المنافع الحیاتیة المحلّلة . فیجوز بیع الکلی والجلود والعظام من الأحیاء والأموات ، فإنّ منافعها کانت نادرة فی السابق ، أمّا الیوم فتعدّ منافعها غالبة مقصودة ، فلا یقاس أحدهما بالآخر .

إن قلـــت : إنّ من منافع إلیات المیتة الإسراج بها ، وهو منفعة غالبة ، وقد

(صفحه 154)


صرّح فی بعض روایات الباب بجوازه مع حرمة بیعها ، وهذا دلیل علی حرمة بیع المیتة وإن کانت لها منافع مقصودة محلّلة .

قلــت : یمکن أن یکون هذا التحریم لأجل منع المشتری من الانتفاع بأکلها مثلاً ، ولکن الأمر لیس کذلک فیما نحن فیه ، ولعلّ مجرّد هذا الاحتمال کان کافیاً فی انصراف روایات الباب عن مثل بیع أعضاء الإنسان وشبهها .

هذا ، ولکن مقتضی الاحتیاط أن یوءخذ الثمن فی مقابل أخذ هذه الأعضاء من بدنه إذا کان حیّاً ، لا فی مقابل نفس هذه الأعضاء لیرد الإشکال علیه بما مرّ.

الثـــانی : إنّه علی فرض جواز بیعها لا إشکال فی کون ثمنها لصاحبها إذا کان حیّاً ، کما أنّه لا ینبغی الإشکال فی کونه للمیّت یصرف فی أداء دیونه ، أو فی أعمال البرّ والخیر له إذا لم یکن علیه دین . هذا فیما إذا اُخذ من المیّت بإذن أولیائه أو بوصیة منه فی ذلک .

الثــالث : فی حکم الدیة فی المقام :
وتفصیل الکلام فیه : أنّه إن اُخذ من الحیّ برضاه فلا دیة ، وهو ظاهر ؛ لعدم شمول إطلاقات أدلّة الدیة لمثله ، مضافاً إلی کونه أولی من مسألة براءة الطبیب إذا أخذ البراءة من المریض مع کون المسألة منصوصاً علیها .

والقول بأنّه من قبیل إسقاط ما لم یجب ، کالاجتهاد فی مقابل النصّ ؛ وقد ذکرنا فی محلّه أنّ إسقاط ما لم یجب جائز إذا حصل مقتضیه وإن لم تحصل علّته التامّة ، کما إذا أسقطت الزوجة حقّها فی القسم قبل دخول اللیل .

وإن اُخذ من الحربی فعدم الدیة أظهر ، ولو من جسده .

وأمّا إذا اُخذ من جسد المسلم برضاه فی حال حیاته أو وصیّته به فالظاهر عدم الدیة أیضاً ؛ لأنّ الحقّ له وقد أجازه .

یبقی الکلام فیما إذا لم یوصِ بشیء ووجب أخذ العضو من جسده بحکم

(صفحه 155)


الشارع المقدّس ، فیأتی فیه ما سبق ـ فی مسألة التشریح ـ من أنّ الدیة إنّما هی للجنایة الفعلیة أو الحکمیة ، وحیث إنّ الزرع هنا بحکم الشارع المقدّس مقدّمة للواجب أو شبهها فلا جنایة ولا دیة . ولکن فرق بین المقام وبین مسألة التشریح ؛ لأنّ نفی الدیة لا یوجب نفی المالیة ، والضمان فیه من باب الإتلاف ، فیکون المقام من قبیل الأکل فی المخمصة ، فلو اضطرّ إنسان إلی الأکل من مال الغیر ـ کما فی عام المجاعة وشبهه ـ جاز له ذلک ، لکنّه ضامن لمثله أو قیمته ، وهکذا فیما نحن فیه ، فإنّه اضطر إلی أخذ العین أو بعض أجزائها ـ مثلاً ـ من جسد المیّت المسلم ، فهو وإن لم یکن ملزماً بأداء الدیة لکنّه ملزم بأداء القیمة من باب کونه تصرّفاً فی مال الغیر وأنّه انتفع به ، لکن جوازه لا یدلّ علی عدم ضمانه القیمة .

الــرابع : حکم ما یوءخذ من حیث الطهارة والنجاسة :
قد یتوهّم أنّه بعد الزرع یبقی العضو علی نجاسته ، لکن الإنصاف أنّه لا وجه للحکم بالنجاسة ، وذلک :

أوّلاً : لخروجه بعد الزرع عن کونه مصداقاً للمیتة بتبدّل موضوعه وصیرورته حیّاً ، فیکون طاهراً .

نعم ، قد یشکل الحکم بطهارته بعد الزرع وقبل ثبوت الحیاة وجریان الروح الحیوانیة فیه .

وثــانیاً : لو شککنا فی الطهارة والنجاسة بعد الزرع لا یجری فیه استصحاب النجاسة ، أمّا علی المختار من عدم جریانه فی الشبهات الحکمیة فواضح ، وأمّا علی المشهور من جریانه فیها فلأنّ الموضوع غیر باقٍ ، فلا تتّحد القضیّتان المتیقّنة والمشکوکة ، فلا یجری الاستصحاب .

وثالثـــاً : لإمکان الاستئناس له بما جاء فی بعض الروایات الواردة فی أبواب القصاص ، فعن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبیه علیهماالسلام : « إنّ

(صفحه 156)


رجلاً قطع من بعض اُذن رجل شیئاً ، فرفع ذلک إلی علیّ علیه‏السلام فأقاده ، فأخذ الآخر ما قطع من إذنه فردّه علی إذنه بدمه فالتحمت وبرئت ، فعاد الآخر إلی علیّ علیه‏السلام فاستقاده ، فأمر بها فقطعت ثانیة ، وأمر بها فدفنت ، وقال : إنّما یکون القصاص من أجل الشین »( (23) ) .

والظاهر عمل الأصحاب بها ، فإنّه لو کان نجساً بعد الالتئام والبرء لکان اللازم التنبیه علیه ؛ لأنّه کان یصلّی معه ویمسّه ویعامله معاملة الطاهر طیلة تلک المدّة ، إلاّ أن یقال : الروایة لیست فی مقام البیان من هذه الجهات .

وهل یجری هذا الحکم فی أبواب الحدود أیضاً ـ کما فی الید المقطوعة بالسرقة مثلاً ـ لا سیّما بعد إمکان الزرع والوصل بمحل القطع فی أیامنا هذه ؟

الظاهر أنّه لا یجوز أیضاً ، للتعلیل الوارد فی نفس الروایة ؛ إذ القصاص والحدود فی هذا الحکم سواء .

ورابعــاً : سلّمنا بقاءه علی النجاسة ، لکنّ ذلک فی غیر الکلی وباطن العین وعروق القلب وشبهها ، وأمّا ممّا یعدّ من البواطن فیها فلا یقدح فی شیء من الصلاة وغیرها ، غایة الأمر أنّه یکون من قبیل المحمول النجس ، وهو غیر مضرّ ، سیّما إذا کان فی الباطن ؛ لعدم الدلیل علی اشتراط صحّة الصلاة بعدمه .

نعم ، فی الأجزاء الظاهرة کما فی زرع الجلود یحصل الإشکال من ناحیة مسّها ؛ لأنّها علی فرض النجاسة واجبة الاجتناب ، وأمّا من ناحیة الصلاة فلا إشکال فیها ؛ لأنّها لیست من اللباس بل هی من المحمول ، فلیس الإشکال فیها من ناحیة النجاسة ولا من ناحیة استصحاب المیتة النجسة ؛ لما عرفت من تبدّل الموضوع .

هذا کلّه فیما إذا کان العضو مأخوذاً من إنسان ، وأمّا لو کان مأخوذاً من حیوان غیر مأکول اللحم ـ کالکلیة المأخوذة من القرد مثلاً ـ فقد یقع الکلام فیه

(صفحه 157)


من جهة کونه من قبیل الصلاة فیما لا یوءکل ، فلا یجوز .

ولکن الانصاف أنّه بعد صیرورته جزءً من بدن الإنسان یتغیّر حکمه ویتبدّل موضوعه ، ولا أقلّ من الشکّ ، وحیث إنّ الاستصحاب غیر جارٍ فی المقام لما عرفت ، فیکون مجری للبراءة کما لا یخفی ، فتدبّر .

ولو سلّمنا أنّه من قبیل الصلاة فی غیر مأکول اللحم ، لکن أدلّة بطلان الصلاة فی أجزاء غیر المأکول منصرفة عن مثل ذلک قطعاً ، ولذا لو قام إلی الصلاة من أکل لحم غیر المأکول واللحم فی معدته لم یهضم بعد لم یضرّ ذلک بصلاته ، ولم تکن من قبیل الصلاة فی غیر المأکول ، والمقام أولی بالصحّة .

الخــامس : فی حکم الوصیّة :
لقد ظهر ممّا ذکرنا أنّ الأخذ من بدن المیّت المسلم جائز عند الضرورة سواء أوصی بذلک أم لم یوصِ ؛ للإذن فی ذلک من الشارع المقدّس .

وتظهر الثمرة فی وجوب العوض وعدمه ، فلو أوصی بأن تعطی بعض أعضاء بدنه مجّاناً لکلّ من یحتاج إلیه أو لشخص بعینه لم یجب علیه العوض ، وأمّا لو کان ذلک بدون الإیصاء به فقد عرفت وجوب العوض ، وأنّه حق متعلّق بالمیّت توءدّی منه دیونه ، وإلاّ یصرف فی وجوه البرّ ، وثوابه له .

السـادس : حکم شراء الجاهل بغصبیة الأعضاء المأخوذة من الحیّ أو المیّت :
لو اشتری شخص بعض الأعضاء المأخوذة من بدن الحی أو المیّت ـ کالمأخوذة فی بعض العملیات الجراحیة التی تجری من قبل أطباء غیر ملتزمین بموازین الشرع والأخلاق لبیعها بأثمان باهضة ـ وکان جاهلاً بغصبیّتها ، ثمّ علم بذلک بعد الانتفاع بها وجب ردّه إن أمکن ـ وإن کان فرض الردّ نادراً ـ وإلاّ کان کالمغصوب التالف ، ووجب علیه ردّ ثمنه إلی صاحبه ، ویرجع بما أدّاه علی الغاصب ، ولو بذل للمالک أکثر ممّا بذله للغاصب کان له الرجوع علیه بأخذ الفارق لدخول ذلک فی الغرر المنهی ـ کما لا یخفی ـ ومنه

(صفحه 158)


یظهر حال الدم المغصوب وشبهه .

الســابع : حکم زرع أعضاء الکافر فی بدن المسلم وبالعکس :
أمّــا الأوّل : فمقتضی القاعدة الأوّلیة کونه نجساً ، سواء اُخذ من الحیّ أو المیّت ، وسواء علی القول بنجاسة الکافر نجاسة ذاتیة أو لا ؛ فإنّه بمجرّد وصله ببدن المسلم والتئامه یصیر جزءً منه ، فیتغیّر حینئذٍ الموضوع ، ویکون الحکم فیه هو الطهارة ، وهذا نظیر من شرب لبن الکافر فصار جزءً منه ، وعلی فرض الشکّ فی طهارته لا یجری الاستصحاب فیه ؛ لعدم بقاء الموضوع علی حاله بعد لحوقه ببدن المسلم ، فتجری فیه أصالة الطهارة .

وأمّا الثانی : وهو زرع أعضاء المسلم فی بدن الکافر ، فإن کان ذمّیاً کان جائزاً ، لکنّه بعد وصله فیه یکون نجساً بناءً علی نجاسة الکافر .

وتوهّــم کون ذلک من قبیل السلطة والسبیل المنفی بقوله تعالی : «وَلَنْ یَجعلَ اللّه‏ُ لِلْکَافِرِینَ عَلَی الْمُوءْمِنِینَ سَبِیلاً»( (24) ) .

باطــل ؛ لأنّ الظاهر أنّ المراد من السبیل هو الحجّة أو السلطة بنحو الحکومة أو المالکیة التشریعیة علی الموءمنین ، لا مجرّد أخذ بعض الأعضاء ، وإلاّ لم یجز للمرأة المسلمة أن ترضع ولداً کافراً ذمّیاً ، ولا أظنّ أحداً یفتی بالحرمة .

وأمّا الکافر الحربی ، فإن کان بذل الأعضاء له فی باب إعانتهم وتقویتهم فحرام کما فی سائر الموارد ، وأمّا فی موارد جواز بیع الطعام لهم فیجوز بیعها ؛ لعدم الفرق بین البابین .

الثـــامن : هل یجوز زرع أعضاء الحیوان ـ سواء کان محلّل اللحم أو محرّمه أو نجس العین ـ فی بدن الإنسان أو لا یجوز ؟
لا إشکال فی جواز ذلک فی المحلّل ؛ لأنّه وإن کان بحکم المیتة بعد الإبانة لکنّه یصیر بعد الزرع جزءً حیّاً من بدن الإنسان ، فیخرج عن عنوان المیتة

(صفحه 159)


ویدخل فی عنوان الحیّ فیکون حینئذٍ طاهراً ، ولا إشکال فیه من ناحیة الصلاة وغیرها .

وکذا الحال بالنسبة إلی غیر المأکول ؛ لما عرفت من أنّه بعد ما صار جزءً من بدن الإنسان یکون حینئذٍ بحکمه ، ومع فرض عدم کونه بحکمه لم یضرّ أیضاً بصحّة الصلاة ؛ لما تقدّم من عدم شمول أدلّة حرمة الصلاة فیما لا یوءکل لحمه لهذا المورد ؛ لأنّه من قبیل من صلّی وفی بطنه لحم من حیوان محرّم ، فإنّه ممّا لا شکّ فی صحّة صلاته فی تلک الحالة ، ولا أظنّ أنّ هناک من یفتی بفساد صلاته باعتبار أنّه صلّی فی غیر مأکول اللحم . وهذا إذا کان العضو باطنیاً ، وهو واضح .

وکذا إذا کان العضو ظاهریاً کالجلد ونحوه کما لا یخفی . ومثله أیضاً ما إذا کان العضو مأخوذاً من نجس العین ؛ لما تقدّم من الدلیل علیه فی غیر المأکول بکلا حالیه ، وإن کان الأحوط الاجتناب هنا مهما أمکن ، ولکنه عند الضرورة لا محیص عنه .

التـــاسع : حکم تزریق دم الإنسان للغیر :
قد ظهر ممّا ذکرنا حکم تزریق دم الإنسان لغیره ، مسلماً کان أو کافراً ، ذمّیاً أو حربیاً ، رجلاً کان أو امرأة ، إنساناً کان أو حیواناً ، محلّلاً أو محرّماً ؛ لأنّ الدم فی کلّ ذلک یصیر جزءً من بدن الآخذ ، وبعد صیرورته کذلک لا یبقی هناک أیّ فرق بینه وبین سائر أجزاء البدن وهو باقٍ ببقائه وحیّ بحیاته .

ولا دلیل علی حرمة تزریق دم المرأة الأجنبیة للرجل الأجنبی ؛ لعدم دخوله تحت شیء من أدلّة الحرمة .

ولو شکّ فی شیء من ذلک من ناحیة الطهارة أو الصلاة أو أصل جواز التزریق فالمرجع فیه أصالة الإباحة والبراءة ، ولا یجری الاستصحاب هنا ؛ لما عرفت من تبدّل الموضوع ، وعدم وحدة القضیة المتیقّنة والمشکوکة .

(صفحه 160)


وممّا ذکرنا ظهر حکم بیع الدم وشرائه ، بل الأمر فیه أسهل ؛ لعدم صدق عنوان المیتة علیه ، فلا إشکال فیه من ناحیة حرمة بیع المیتة وإن کان نجساً .

العـــاشر : حکم وصل الشعر بالشعر وحکم زرعه :
الشعر تـــارة یوصل بغیره من الشعر من غیر زرعه فی الرأس أو غیره ولا یکون جزءً من بدن الإنسان ، وهذا ممّا لا کلام ولا إشکال فی جوازه .

ولا مانع من وصل شعر امرأة بشعر اُخری ، ولا یحرم النظر إلی الشعر المفصول من الأجنبیة ؛ لعدم قیام دلیل علی الحرمة فی هذه الصورة ، لأنّه إنّما یحرم النظر إلیه إذا کان جزءً من بدنها لا ما إذا انفصل عنها ، ولا یجری الاستصحاب ؛ لتبدّل الموضوع قطعاً ، وعلیه لا فرق بینه وبین الموصول بشعر امرأة اُخری .

نعم ، إذا کان الشعر من حیوان غیر مأکول اللحم لم تجز الصلاة فیه ؛ لشمول أدلّة حرمة الصلاة فیما لا یوءکل لحمه لمثله .

واُخــــری یزرع الشعر مع أصله وبصله فی بدن إنسان آخر بحیث یصیر جزءً من بدنه وهذا لا إشکال فیه من ناحیة الأصل والبصل . وکذا إذا نما بحیث ذهب الشعر السابق وبقی النامی .

لکن یشکل الأمر إذا کان الشعر السابق موجوداً ؛ لعدم جریان الروح فیه ، فإنّه ممّا لا روح له لعدم تبدلّ موضوعه . نعم ، بالنسبة إلی بصله یکون الموضوع قد تبدّل . وکذا إذا نما بحیث اُزیل السابق بالمقراض وبقی الشعر النامی .

هذا تمام الکلام فی المسألة ، وهناک فروع کثیرة اُخری یعلم حالها ممّا ذکرنا ، والحمد للّه‏ ربّ العالمین .


(صفحه 161)


الهوامش
( 1 )مریم : 17 .
( 2 )راجع جواهر الکلام 21 : 77 و 78 . مفردات الراغب : 758 ـ 760 .
( 3 )الوسائل 11 : 71 ، ب34 ، آداب جهاد العدو ، ح3 .
( 4 )المصدر السابق : 43 ، ب15 ، آداب جهاد العدو ، ح3 .
( 5 )المصدر السابق : ح2 .
( 6 )المصدر السابق 19 : 96 ، ب62 من قصاص النفس ، ح6 .
( 7 )جواهر الکلام 21 : 77 .
( 8 )وعددها ستّ ، رواها کلّ من محمّد بن الصباح ، والحسین بن خالد ، وإسحاق بن عمّار ، وعبداللّه‏ بن سنان ، ومحمّد بن سنان ، وعبداللّه‏ بن مسکان عن الصادق والباقر علیهماالسلام ، راجع : الوسائل 19 : 249 ، ب25 دیات الأعضاء .
( 9 )الوسائل 19 : 248 ، ب24 ، دیات الأعضاء ، ح3 .
( 10 )المصدر السابق : ح4 .
( 11 )المصدر السابق : 249 ، ح5 .
( 12 )المصدر السابق : ح6 .
( 13 )المصدر السابق : ب25 ، ح1 .
( 14 )المصدر السابق : 250 ، ح3 .
( 15 )المصدر السابق : 251 ، ح5 .
( 16 )المصدر السابق : ح4 .
( 17 )المصدر السابق : ح6 .
( 18 )المصدر السابق : ذیل ح6 .
( 19 )راجع : الوسائل 2 : 763 ، ب46 من أبواب الاحتضار ، وفیه روایات ثمان ، اثنتان منها مشترکتان مع الباقی ، فیکون عددها ست روایات عن ستّة رواة ، هم : ابن أبی عمیر ، علی بن یقطین ، وهب بن وهب ، علی بن أبی حمزة ، ابن اُذینة ، محمّد بن مسلم .
(صفحه 162)
( 20 )ورواه فی موضع آخر ، وزاد فی آخره : « إذا لم ترفق به النساء » ، الوسائل 2 : 673 ، ب46 من الاحتضار ، ح3 .
( 21 )الوسائل 3 : 302 ، ب31 ، لباس المصلّی ، ح4 .
( 22 )المتعارف أخذ بعض أجزاء العین لا کلّها ، وذلک عندما یکون جسد المیّت حارّاً .
( 23 )الوسائل 19 : 139 ، ب23 ، قصاص الطرف ، ح1 .
( 24 )النساء : 141 .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » بهار 1377 - شماره 9

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010